الغزالي
140
إحياء علوم الدين
لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا ، وعن ابن جريج أنه كان يرخص في السماع فقيل له : أيؤتى يوم القيامة في جملة حسناتك أو سيئاتك ؟ فقال : لا في الحسنات ولا في السيئات لأنه شبيه باللغو ، وقال الله تعالى * ( لا يُؤاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ في أَيْمانِكُمْ ) * « 1 » هذا ما نقل من الأقاويل ومن طلب الحق في التقليد فمهما استقصى تعارضت عنده هذه الأقاويل ، فيبقى متحيرا أو مائلا إلى بعض الأقاويل بالتشهى ، وكل ذلك قصور بل ينبغي أن يطلب الحق بطريقه وذلك بالبحث عن مدارك الحظر والإباحة كما سنذكره بيان الدليل على إباحة السماع اعلم أن قول القائل : السماع حرام . معناه أن الله تعالى يعاقب عليه ، وهذا أمر لا يعرف بمجرد العقل بل بالسمع ، ومعرفة الشرعيات محصورة في النص ، أو القياس على المنصوص وأعنى بالنص ما أظهره صلَّى الله عليه وسلم بقوله ، أو فعله ، وبالقياس ، المعنى المفهوم من ألفاظه وأفعاله ، فإن لم يكن فيه نص ولم يستقم فيه قياس على منصوص بطل القول بتحريمه وبقي فعلا لا حرج فيه كسائر المباحات ، ولا يدل على تحريم السماع نص ولا قياس ويتضح ذلك في جوابنا عن أدلة المائلين إلى التحريم ، ومهماتم الجواب عن أدلتهم كان ذلك مسلكا كافيا في إثبات هذا الغرض ، لكن نستفتح ونقول قد دل النص والقياس جميعا على إباحته . أما القياس : فهو أن الغناء اجتمعت فيه معان ينبغي أن يبحث عن أفرادها ، ثم عن مجموعها ، فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى ، محرك للقلب ، فالوصف الأعم أنه صوت طيب ، ثم الطيب ينقسم إلى الموزون وغيره ، والموزون ينقسم إلى المفهوم كالأشعار وإلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات أما سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب فلا ينبغي أن يحرم ، بل هو حلال بالنص والقياس أما القياس . فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة السمع ، بإدراك ما هو مخصوص به وللإنسان عقل وخمس حواس ، ولكل حاسة إدراك ، وفي مدركات تلك الحاسة ما يستلذ ، فلذة النظر في المبصرات الجميلة كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن
--> « 1 » البقرة 225